ابن عربي
160
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
« وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ » أي في غلاف ، وهو الكن الذي ستره عن إدراك الأمر على ما هو عليه . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 89 ] وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ ( 89 ) يعني بذلك كل كافر به في كل زمان ، حتى يبقى العموم في الضمير على أصله ، كما قال تعالى : « وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ » صفة لمحذوف فيكونون أولا في أهل زمانهم في الكفر به فقوله تعالى : « فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ » وإن كان له وجود قبل مجيئه إليهم فيعم كل من كفر به في كل زمان .
--> قُلُوبُنا غُلْفٌ » قالوا قلوبنا غلف أي هي في غلاف ، مثل قولهم ( فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ ) ففي هذا الكلام رائحة من الرجوع إلى القضاء والقدر ، أي لو أراد اللّه أن نتبعك لأزال هذا الغلاف عن قلوبنا فأبصرت نور النبوة ، فأضرب اللّه عن قولهم فقال « بَلْ » حرف إضراب « لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ » باء السبب ، فأوقع اللعنة عليهم لأنهم كفروا ، أي ستروا الحق الذي يعلمونه من نبوة محمد ، ويحتمل أن يكون قولهم « قُلُوبُنا غُلْفٌ » أي هي نفس الغلاف لما تحوي عليه من العلوم ، فلو كنت نبيا لكان في قلوبنا العلم بك ، فأخبر تعالى أن الكفر في قلوبهم بنبوته فلعنهم اللّه لذلك ، وصدقهم في قولهم إن قلوبنا غلف ولكن للكفر « فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ » فمنهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ، ولتكذيبهم أيضا وجه في قولهم « قُلُوبُنا غُلْفٌ » ( وفي أكنة مما تدعونا إليه ) فإنه مما يدعوهم إليه الإيمان باللّه وقد فطروا عليه ، إذ كل مولود يولد على الفطرة ، فبطل أن تكون قلوبهم في غلاف وكن من الإيمان باللّه ، ولهذا جعلنا ذلك الإيمان بنبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم قال ( 90 ) « وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ » يعني القرآن و « مِنْ عِنْدِ اللَّهِ » في موضع الصفة للكتاب « مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ » أي لما في الكتاب الذي معهم وهو التوراة والإنجيل « وَكانُوا مِنْ قَبْلُ » أن يأتيهم محمد بالقرآن يؤمنون به من كتابهم ، وإذا اجتمعوا بالكفار في قتال « يَسْتَفْتِحُونَ » أي يستنصرون اللّه « عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا » به ، فيقولون : اللهم بحق هذا النبي الذي يأتي ووصفته لنا في كتابنا فانصرنا عليهم ، وهذا معنى قوله « وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا » « فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا » الذي كانوا يستنصرون به ، وهو قوله ( إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ ) « كَفَرُوا بِهِ »